تضامن

تضامن

السبت، 5 أبريل، 2014

كــانــت صـفـحـتـي مُـقـرصـنـة.. يــا عــدالــة المـحـكــمـــة

قال الفيسبوك: بماذا تفكر؟ قلت: أفكر في إيجاد حل مبتكر للتعامل مع قوانين النشر الإلكتروني الجديدة التي قيل إن الغرض الحقيقي منها هو تكميم الأفواه في موريتانيا. وأنا بطبيعتي رجل أحترم القانون، وأدخل البيوت من أبوابها وأتوسل للأمور وسائلها
المشروعة، أعني غير الممنوعة. وغالباً ما أمشي إلى جنب الحائط.. وأرى مع الحكومة أن الآذان هي التي لها حيطان.. وأبصم بأصابعي الخمسة على أن الخطين المتوازيين يلتقيان ويتقاطعان إن اقتضت المصلحة الوطنية ذلك.. ولذا أعتبر نفسي مواطناً موريتانياً صالحاً، فلا أنتقد أسعار الطماطم والخيار والبطاطا الحلوة المسماة شعبياً "مبطاس"، وأعتبر الحديث عن أسعار الخبز والأرز واللحم والفحم خيانة عظمى وفساداً في الأرض، وتهمة قابلة للتصنيف والتكييف ضمن الجرائم المخلة بالشرف، والمعروفة الموصوفة في دهاليز وسراديب بنود قوانين مكافحة الإرهاب.. ومقترفها منتهك للحرمات ومدان سلفاً بتشكيل عصبة أشرار.. ولذا ألتزم حدودي، وأرسف في قيودي، وأحترم كل التشريعات والتفريعات وما يعلق على لوحات الإعلانات، وأؤدي التحية وتعظيم السلام، وتمام التمام، حتى للتعميمات التي قد تصدر عن رجال المقعد الخلفي في أي حزب أجرب حاصل -بالمراسلة- على خمسة أصوات في الانتخابات! 
ولكن هوّنوا عليكم أيها المتسلقون المتسلطون.. الخراصون البصاصون.. الشمامون النمامون.. قبل أن تشمروا عن سواعد الجد والحقد والتنظير والتبرير وتدبجوا الخطط الجهنمية والفخاخ القانونية.. ومن غير أمر عليكم... إن كان ولابد أن تحفروا لنا حفرة.. فوسعوها.. فأنتم الواقعون فيها.. وإن كنتم لا تعلمون يا أصحاب.. فالمدوّن لا يسد عليه باب.. وأقصى ما تستطيعون فعله هو أن تسرجوا أعلى ما في خيلكم ورجلكم، وتحبكوا مكائد وثغرات قانونكم.. وبعد ذلك تستجمعوا هممكم، وترفعوا دعوى، أو ترسلوا صحيفة ادعاء إلى أقرب سراي نيابة.. تسرد حزمة ادعاءات مختلقة ملفقة: أن فلاناً المدون تسلل إلى صفحته في الهزيع الأخير من الليل، ودخل خائفاً يترقب، وكتب فيها كلاماً يصنف في خانة "عدم الكياسة" في معاجم السياسة.. فانتقد هيئة بيروقراطية أو جهة حزبية كاسدة أو شخصية عمومية فاسدة، وأشار إليها بالتلميح أو حتى بالتصريح بلسان فصيح فسيح.. وهو نفسه من سرق الخف من قدم المسيح.. وهو من نمَّ في صفحته، بكلام تعريض لدى النعمان عن أخلاق زوجته.. وهو متآمر ومتواطئ في كل المؤامرات الكونيـــة، ومشبوه ومطنون وضالع في اختفاء الطائرة الماليزية!
وسارت الدعوى الكيدية في أطوار التقاضي المعتادة، كالعادة، وقبض على المدون وأرسل إلى السجن سنين عدداً، وسيق راسفاً في الحبال والأغلال ومثُل أمام القاضي.. وارتفع صوت الحاجب: مــحــــكـــــــــمــــــة... ووقف الجميع، وتحامل المدون المتهم على نفسه في القفص مطرقاً برأسه معروق الجبين، مغرورق العينين، ومحامي الادعاء البدين المتين يصول في مرافعته ويجول، معدداً التهم، مدعماً حججه ببعض سجع الكهان وجوامع الكلم، والقاضي يستمع، وكأنه مقتنع، بما يقال من حكم وأمثال، وما يسرد من مواد حادة بل حاجرة على الحريات، هي في المحصلة أقرب إلى الابتذال والافتئاث.. والأنظار في القاعة تتجه إلى المدون الشماعة الفزّاعة مطلِق الإشاعة، والقلوب واجفة والعيون نازفة، والأيدي راجفة، والنيابة العامة تطالب بالإعدام شنقاً أو خنقاً.. وأن تضرب في التنكيل بالمدون الأمثال على فعلته البغيضة وتردع بعقوبته الأجيال والنفوس المريضة.. وتحول نهاراته إلى ليالٍ ضريرة طويلة يغطي ظلامها لسان الفتيلة.. ويقطع لسانه، ويحرق بنانه، وتمحى آثاره، وتنقطع أخباره، ويرسل إلى القبر وإلى عوالم المجهول واللامعقول، وتُخرس أنفاسه في السيول! 
وينطق المتهم بكلمة واحدة أمام عدالة المحكمة، تنسف القضية من الأساس، وتأتي بنيانها من القواعد حين يسأل القاضي: ألا يمكن في عالم الفيسبوك أن تقرصن الصفحة، أليس كذلك، يا عدالة المحكمة؟! ويهز الخبير الفني الإلكتروني رأسه يَمنة ويَسرة: نعم تقرصن الصفحات يا سيادة القاضي! فيعقب المتهم: يا عدالة المحكمة كانت صفحتي مقرصنة، ولذلك لا أتحمل المسؤولية عن كل ما نشر فيها! ولذا أرجو تقييد كل هذه الاتهامات ضد مجهول! لأنها أقيمت من غير ذوي صفة، على غير معني بالفعل المجرَّم بالقانون! والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فتأخذ الجميع الحجة وتعود العقول إلى المحجة، ولا يحيرون جواباً ولا صواباً.. ويرى القاضي في الحال عوار القضية الماثل الغني عن البيان والتعريف، ويصدر حضورياً حكمه العاجل ببطلان الدعوى وإلزام رافعيها بدفع المصاريف! فيبهت الذي أمر وقدَّر وقرر، ويبهت معه الحمقى والمغفلون، والمكدُّون، والعيارون، والشطار، وسلاقي الحراسة، والعسس، ومثقفو السلطان، وكومبارس جوقة الشيطان، وباعة الكلام، ورموز فساد النظام، ومشرعوه، ومشعوذوه، ولاعقو أحذيته، وخدمه وحشمه.. وينقلبون على أعقابهم خاسرين يتلاومون يتحاثوْن على الوجوه بالتراب، باحثين عن مكيدة أخرى للسباحة في غيابات السراب، وتكميم الأفواه وتعفير الجباه، والقبض على الحريات في عالم افتراضي خلق طليقاً كطيف النسيم، وحراً كنور الضحى في سماه..


الدكتور :حسن احريمو

ليست هناك تعليقات: