تضامن

تضامن

الجمعة، 6 مارس، 2015

ولد صلاحي: أفكر في الهروب من قبضة دداهي.. أين المفر؟


ـ الأردن... الأردن؟!! لم أسمعك جيدا ماذا تقول يا مدير الأمن أعد علي الجملة.. الأردن مالي والأردن ؟ رد علي مدير أمن الدولة [دداهي] بأغرب جواب يمكن أن أسمعه فقال: ـ في الأردن كانت هناك محاولة اغتيال فاشلة
للملك..!! ـ وما علاقتي بهذا؟ أنا لم أزر الأردن في حياتي وإن كان لا بد من تسليمي فسلموني لأمريكا التي تطلبني.. ـ ولكن الأمريكيين طلبوا ترحيلك إلى الأردن رغم أنني أعرف براءتك من هجمات الحادي عشر من سبتمبر. ـ ولماذا أنتم لا تحموني كمواطن في دولة من هذا الظلم؟ ـ أمريكا دولة ظلم ومبنية على الظلم وتعيش من الظلم. وهنا طلبت طلبا أخيرا من مدير الأمن [دداهي] أن أتصل على رئيس الجمهورية، لكنه رفض وحسم الموقف: ـ لن تتحدث مع الرئيس فالأمر قد انتهى.. قلت متوددا: ـ هل تسمح لي بوداع والدتي في الهاتف؟ ـ لا أبدا فالقضية سرية للغاية.. وهنا سألته: كم سنقضي في الأردن؟ ـ يومين أو ثلاثة على الأكثر ، وإن شئت أن لا تجيبهم عن الأسئلة التي سيطرحونها عليك فافعل، فأنت مخير. وهنا بدأت أقرأ في قسمات وجه المدير [دداهي] أن جمله الأخيرة يراد منها فقط طردي وتسليمي بأية طريقة، وعلمت أن هناك سببا ما جعلهم يسلمونني للأردن، وهنا أعدت السؤال بطريقة أخرى: هل يمكن أن تحدد لي بالضبط متى سأعود؟ ـ أتمنى أن تكون هذه الرحلة بمثابة براءة كاملة، فالألمان والكنديين والسنغاليين وأنا متأكدون جميعا من براءتك ولا أدري كم يحتاج الأمريكيون من شاهد حتى يبرؤوك. وهنا دخل مدير أمن الدولة [دداهي ولد عبد الله] وظل يتصل بمدير الأمن العام [اعلي ولد محمد فال] ويسأله أمامي متى سيعود محمدو؟ فيجيبه: لا أدري بالضبط لكنني متأكد أنه بريء تماما. وهنا يتحدث محمدو عن كذبة مدير أمن الدولة الأخيرة عليه حيث يقول: اليوم يوم الأربعاء وغدا الخميس وبعد عد الجمعة ويوم للسفر بالتأكيد ستكون معنا يوم الأحد القادم!!. وبدأ مدير أمن الدولة [دداهي] يفتح بعض الحقائب ويخرج ملابس رثة جدا قميصا وبنطالا ونعلا، ويالها من صمدة..!! كل الملابس تساقطت عن جسمي الضامر وأضحيت مثل الهيكل العظمي، ولكن من يهمه ذلك؟ لا أحد حتى أنا لا يهمني الأمر في شيء. بدأت خيوط المؤامرة تتكشف شيئا فشيء .. الأمريكيون يبعثون برسالة بريدية رخيصة إلى الأردن عبر بلادي الحبيبة. لا أدري كيف أصف مشاعري في هذه اللحظة الحرجة من تاريخي.. أنا في عالم آخر عالم تتعانق في جسمي المتهالك الخوف والضعف والإحساس بالعجز.. أنا فريسة بين يدي جلاد لا لي ولا علي وكما يخرج الأموات من قبورهم أعيش أنا لا أدري متى أخرج ولا إلى أين أذهب. !! في عمري الماضية عشت الحياة حلوها ومرها وتعرضت للظلم أكثر من مرة ولكني لم أفكر على الإطلاق في الهروب قبل تلك اللحظات الحرجة، إنها لحظات تجبرك على التفكير فيما لا يخطر على بال، الهروب.. نعم الهروب ولكن إلى أين؟ الآن والآن فقط.. أفكر في ترحيلي قسرا إلى دولة تعتبر التعذيب جزء من ثقافتها وحياتها اليومية، أين المفر ؟ الهروب هو الوسيلة الوحيدة لإنقاذ حياتي من ذلك الجحيم المحقق. الهروب.. لو فعلته سيلوث تاريخي في بلدي.. ولكن حكومتي لا لها ولا عليها، حكومتي هي تبعية لأمريكا تأتمر بأمرها ليس لها قرار سيادي، إذن سأبدأ في التخطيط للهروب من ذلك العذاب الذي ينتظروني.. ولكن إذا تصورت الهروب من البناية، فليس بحوزتي أجرة تاكسي إلى مكان آمن، وليس لي مكان يأويني، فالأماكن التي ستؤمنني معروفة و سيسبقني لها رجال الأمن. القيت نظرة تجريبية على جميع أبواب إدارة أمن الدولة، أدخل الحمام الآن فأصادف بابا زجاجيا في الجهة الأخرى لكن لا أدري إذا كسرته هل سأرى حارسا مدججا بالسلاح لن يتردد في إطلاق النار على ببرودة أعصاب، وحتى لو تجاوزت الحارس سأكون في مبنى وزارة الداخلية وهي الأخرى مليئة بالحراس المسلحين. أسهل طريقة للهروب إذن هي القفز على حائط إدارة الأمن ولكن لم تكن لدي قدرة على التسلق فأنا مريض وصائم، ومع ذلك ما زلت أفكر في تحويل المستحيل إلى حقيقة. وتتلاحق علي هذه الأفكار وأنا ما زلت داخل إحدى حمامات إدارة أمن الدولة. نظرت نظرة في السقف فصادفت شقوقا هنا وعجزت عن وصوله، هل استطيع أن أتسلق مبنى غرفة صغيرة بجنبي ؟ لا أستطيع الهروب إطلاقا لسببين الأول: أن طول الحائط يزيد على ستة أمتار وليس لدي سلم، والثاني أنني لو وصلت الحائط فسيسيطر علي الشرطة خلال ثوان معدودة.. مسألة الهروب من المستحيلات وحلم لا يمكن أن يتحقق من معتقل ضعيف ومريض. يضيف محمدو: مدير أمن الدولة [دداهي] ما زال يواصل اتصالاته على فريق الأردن المكلف باستلامي، وقد التفت علي قائلا: الفريق وصل قبرص وبعد أربع ساعات سيكون في نواكشوط. ولكن لماذا مدير أمن الدولة يفشي لي هذه الأسرار ويقول لي المعلومات الأمنية بالتفصيل؟ كنت أتصور كيف سأرحل مغمض العينين وأسافر إحدى عشرة ساعة في الأغلال، مجرد تصور هذا التعذيب وتلك الرحلة الشاقة يجعل حالتي تتفاقم ويجعل الذعر يسيطر على ما تبقى من جسدي المتهالك جراء الإهمال لعدة أيام. كان ينكشف لي السيناريو فأدعو الله في داخلي: ربِ لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين.. اتصل فريق مطار انواكشوط على مدير أمن الدولة [دداهي] وأخبروه أن الطائرة ستكون بالتحديد الساعة السابعة والنصف مساء في مطار نواكشوط، وكان كاتب [دداهي] يصحو من نوم عميق فسمح له الأخيرة بمغادرة العمل. الساعة السادسة أقلت سيارة مدير أمن الدولة من نوع مرسيديس ثلاثة أشخاص هم : مدير أمن الدولة [دداهي ولد عبد الله] ونائبه وأنا، وكانت الأوامر تأتي إلى مطار انواكشوط أن يخلى تماما من الجميع، حتى لا يرانا أحد.. كان مدير أمن الدولة يسلك طريقا طويلا حتى يكون الوقت لصالحه، كنت أتمنى في نفسي أن تسقط الطائرة الأردنية مع أني أعلم أن ذلك لن يغير من الأمر شيئا، لكنني الآن مثل المحكوم عليه بالإعدام يتمنى لو تأخر لحظات في هذه الحياة. في طريقنا إلى المطار توقف المدير أمام إحدى البقالات ونزل وتركني وحدي في السيارة.... فكرت مجددا في الهروب إلا أن المدير كان قد أخذ معه مفاتيح السيارة.......... في الأثناء توقفت سيارة أخرى بالجوار من نوع تويوتا نزل صاحبها تاركا مفتاحه في السيارة، هممت بالقفز داخلها فمنعني سببان: الأول أن في السيارة أطفال وامرأة وما أريد إزعاج وترويع الآمنين. السبب الثاني: أنني متأكد أن سيارة مدير الأمن [دداهي] ستنقلب أثناء مطاردتي وقد يموتان لا قدر الله وهذا ما أخشاه فلا أريد أن أتسبب في مقتل أحد. قررت أن أوكل أمري إلى الله ولو كنت أعلم علم اليقين أن حياتي ستتحول إلى جحيم وأعيش هذا الواقع لقررت كلما فكرت فيه حتى أتحاشى هذا الظلم المرير. اشترى مدير الأمن حاجات وأدارت سيارته عجلاته إلى المطار .. لتبدأ رحلة أخرى من التعذيب لا يمكن وصفها.. يتواصل.. 
ترجمة: يحظيه ولد صلاحي

ليست هناك تعليقات: